لا يزال السرطان أحد أكثر الأمراض التي تُثير الخوف في العالم، حيث يتسبب في ملايين الوفيات سنويًا. وعلى الرغم من التقدم الذي تحقق في مجال العلاج والكشف المبكر، فإن التشخيص المبكر لا يزال يمثل تحديًا كبيرًا. وفي هذا السياق، تظهر أساليب جديدة قد تُحدث ثورة في النهج التقليدي، من بينها استخدام الكلاب للكشف المبكر عن السرطان. بفضل حاسة الشم الاستثنائية التي تتمتع بها الكلاب، يمكنها أن تلعب دورًا حاسمًا في تحديد الأورام في مراحلها الأولى، مما قد يُحدث نقلة نوعية في تشخيص السرطان.
حاسة الشم لدى الكلاب: قوة خارقة طبيعية
تمتلك الكلاب حاسة شم أقوى بـ 10,000 إلى 100,000 مرة من الإنسان. هذه القدرة الهائلة تمكنها من التعرف على مواد كيميائية محددة في الهواء بتركيزات منخفضة جدًا. وقد تم استخدام هذه المهارة في مجالات عديدة، مثل اكتشاف المخدرات والمتفجرات، والبحث عن الأشخاص المفقودين. ومع ذلك، أظهرت دراسات حديثة أن الكلاب يمكنها أيضًا الكشف عن أنواع معينة من السرطان لدى البشر.
عندما تنمو الخلايا السرطانية، تنتج مركبات عضوية متطايرة (COV) فريدة. تُطلق هذه المركبات في الهواء من قبل الخلايا المصابة، ويمكن اكتشافها من خلال التنفس أو البول أو العرق. هذه المركبات تكون مميزة لأنواع معينة من السرطان، وفي بعض الحالات، يمكن للكلاب التعرف عليها حتى قبل ظهور الأعراض السريرية.
دراسات واعدة في الكشف عن السرطان
استكشفت العديد من الدراسات قدرة الكلاب على تشخيص السرطان. ففي عام 2004، أظهرت دراسة في بريطانيا أن كلبًا مدربًا تمكن من اكتشاف سرطان الرئة عن طريق شمّ نفس المرضى بدقة بلغت 99%. ومنذ ذلك الحين، أكدت أبحاث أخرى هذه القدرة على اكتشاف أنواع مثل سرطان البروستاتا والقولون والثدي.
في دراسة أجريت بجامعة أريزونا، تمكنت الكلاب من اكتشاف سرطان الثدي بدقة بلغت 88%. كما أظهرت دراسات أخرى أن الكلاب يمكنها الكشف عن الأورام في مراحلها الأولى، قبل أن تظهر الأعراض السريرية أو أن تتمكن تقنيات التصوير من رصدها، مما يعزز فرص العلاج المبكر وزيادة نسب النجاة.
مشروع KDOG: مبادرة واعدة
في فرنسا، يهدف مشروع KDOG، بقيادة معهد كوري، إلى استخدام حاسة الشم لدى الكلاب للكشف عن سرطان الثدي. يعتمد المشروع على تدريب كلاب خاصة لاكتشاف المركبات المتطايرة المنبعثة من الخلايا السرطانية باستخدام عينات تم جمعها من المريضات.
وقد أظهرت النتائج الأولية للمشروع معدلات نجاح قريبة من 100% في اكتشاف سرطان الثدي، متفوقةً على العديد من التقنيات الطبية الحديثة. ويمثل ذلك بديلاً غير جراحي وسريع للكشف، فضلًا عن كونه أقل تكلفة من الفحوصات التقليدية مثل التصوير بالأشعة.
تحديات وفرص
رغم الإمكانيات الكبيرة، تتطلب هذه الطريقة مزيدًا من الدراسات لتوحيد المعايير وضمان موثوقية النتائج. ومع ذلك، يبقى استخدامها وسيلة واعدة تُبرز التعاون الفريد بين الإنسان والحيوان في مجال الرعاية الصحية.
تشير الأبحاث إلى مستقبل مشرق حيث يمكن للكلاب أن تسهم في إنقاذ حياة الملايين بفضل قدراتها الطبيعية الفريدة وتدريبها الدقيق.